علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

هوية الملائكة – عـزرائـيـل

Filed under Uncategorized by فرناس on 22-09-2007

Tags :

 

في هذا الوضوع، والذي سوف يحمل تصنيفاً تحت عنوان “الملائكة”، سوف أتعرض لهويات الملائكة في الأديان التوحيدية الثلاث. ففي الأيام والشهور القادمة، بدءاً من اليوم، سوف أختار ملاكاً واحداً لعرض إعتقادات الأديان أو الفلوكور الشعبي فيه. في الأغلب الأعم من هذه المواضيع سوف يكون جهدي الوحيد هو الترجمة (ولكن بإسلوبي الشخصي والذي قد لا يكون ترجمة حرفية تماماً للمصدر) والدمج والترتيب لما هو موجود أصلاً في المراجع والتي سوف أضعها في نهاية كل موضوع.

يجب أن أؤكد على نقطة مهمة هنا. الغرض من هذا الموضوع ليس النقد والتحليل لفكرة “الملائكة” من أساسها. ليس هذا غرضي هنا ولا أنويه. ولكن الغرض هو عرض “معلومات” لما هو موجود في المصادر المتنوعة أصلاً في محاولة لمعرفة كيف يُنظر لشخصية ملائكية معينة في ثقافات وأديان متعددة. ويجب أن أنبه أيضاً بأن ما سوف أعرضه هو ليس إلا معلومات أولية عن كل شخصية ملائكية أتعرض لها، وليس بحث شامل ومتعمق. وهي دعوة لكل من يشاء أن يساهم من القراء الكرام في إثراء المعلومات عن الشخصية الملائكية بأن يستعمل خاصية الردود والتعقيبات في تصحيح أو زيادة المعلومات الواردة مع ذكر المصدر الذي إستقى منه معلوماته إن أمكن ذلك.

 

فرناس

 

ملاك الموت – عزرائيل

 

يعتقد بعض الباحثين بأن فكرة ملاك الموت، الذي يقبض (يستخلص) روح الإنسان من جسده عند الموت، قد تطورت من أفكار أقدم عهداً تتعلق بآلهة الموت. هذه الآلهة المتخصصة بالموت والأموات (العالم السفلي) كانت منتشرة في ثقافات وأديان العالم القديم بلا إستثناء تقريباً.

من الملاحظ أن فكرة ملاك الموت قد تطورت بشكل مميز وواضح بواسطة أحبار اليهود. فملاك الموت عند اليهود (ملاك ها-مافت، Malakh ha-mavet) قد خضعت شخصيته إلى التطور والتغيير بواسطة هؤلاء الأحبار عبر الزمن. ففي البداية، يلاحظ الباحثون، أن هؤلاء المبعوثين لقبض أرواح البشر كما ورد في العهد القديم كانوا تحت أمر وطاعة الرب جل شأنه. ورد في سفر “صموئيل الثاني”، الإصحاح 24، الآية 15-16:

“فجعل الربُ وبأ ً في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد، فمات من الشعب من دان إلى بئر سبع سبعون ألف رجل. وبسط الملاكُ يده على أورشليم ليهلكها، فندم الربُ عن الشر وقال للملاك المُهلكِ الشعب: كفى، الآن رُدّ يديك. وكان ملاك الرب عند بيدر أرونة اليبوسي”.

 

وعلى الرغم بأن الإنجيل بعهديه القديم والجديد لا يحدد ملاكاً بعينه كمتخصص في قبض أرواح البشر أو متخصص بالموت فقط، إلا أن العهد القديم يعطي إشارات متعددة عن وجود “مهلكين أو مدمرين” يبعثهم الرب كما ورد مثلاً في سفر الخروج، الإصحاح 12، الآية 23: “فحين يرى الدم على العتبة العليا والقائمتين يعبرُ الربُ عن الباب ولا يدع المُهلِكَ يدخل بيوتكم ليضرب“. وقد ورد في سفر الأمثال لفظ “رسل الموت” كما في الإصحاح 16، الآية 14.

ولكن في العصور التي تلت تدوين العهد القديم تطورت فكرة ملاك الموت بواسطة أحبار اليهود ليتم تخصيصها بشخصية معينة. فهذا الملاك الذي يرسله الرب جل وعلا لإهلاك البشر والتدمير قد تطور ليأخذ شخصية شيطانية مستقلة عن أوامر الرب. فـ “التلمود” يحدد بشكل صريح بأن ملاك الموت هو ليس إلا الشيطان نفسه. وبسبب هذه النظرة التلمودية لملاك الموت (لاحظ هنا بأن الشيطان في العرف اليهودي والمسيحي هو في الأصل من الملائكة على عكس المفهوم الإسلامي بأنه من الجن) بسبب هذه النظرة التلمودية لملاك الموت فقد إنعكس هذا المفهوم على التراث والفلوكلور اليهودي فيما يتعلق بالموت والدفن والعزاء. فمثلاً، فقد ورد في الفلوكلور اليهودي بأنه من المستحيل للشخص بأن يموت في وسط قرائته للتوارة بسبب نفور الشيطان وإبتعاده عن الإنسان في حال قرائته لها كما في المعتقد اليهودي.

أما في الإسلام فقد ورد في القرآن الكريم وفي سورة السجدة بأن هناك مَلَكاً متخصصاً بقبض أرواح البشر، قال الله تعالى: (قُل يَتَوفاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذي وُكلَ بكُمْ ثُمّ إلى ربكُمْ تُرجَعُون). ولم يرد في القرآن الكريم ولا السُنة النبوية الشريفة أي إسم لهذا المَلَك المتخصص بقبض أرواح البشر عند الموت.

ولكن، وفي فترة ما في التراث الإسلامي، تم منح هذا الملاك إسم “عزرائيل”. جاء في تاريخ البداية والنهاية تحت باب “ذكر خلق الملائكة وصفاتهم” ما يلي: “أما مَلَك الموت فليس بمصرح بإسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل”.

كلمة “عزرائيل” ذات أصل آكادي-آرامي وتتكون من شقين. “إيل” أي الله وهو إسم ظهر مع الآكاديين في البادية السورية في الألف الثالث قبل الميلاد، وكلمة “عزرا” وهي تعني “يعين” في اللغة الآرامية. فكلمة عزرائيل تعني “يعين الله”. ينقل مؤلف كتاب “مفهوم الإلوهة في الذهن العربي القديم” (ص 189) عن مصدر آخر بأن أول ظهور لإسم عزرائيل كان في النقوش الآرامية في تراث “نيبور (Nippur).

نسب بعض الإسلاميين هذا الإسم في التراث الإسلامي لمَلَك الموت بأنه دخيل من الإسرائيليات. ولكن، وفي الحقيقة، لا يرد هذا الإسم في التلمود والعهد القديم أبداً على أنه مَلَك للموت، ولكنه يرد في التلمود بأن عزرائيل هو “ملاك يحكم مياه الأرض”، أي أنه ملاك البحار والأنهار أو ربما المياه الجوفية للأرض. ولكن أصل التسمية في التراث الإسلامي قد تكون ذات إصول سحرية. ينقل المصدر رقم (1) أدناه عن مخطوط محفوظ في المتحف البريطاني يتعلق بالسحر بأن الأيام في الشهر القمري تنقسم إلى 28 قسماً (يوماً)، كل قسم مخصص له ملاك معين مختلف عن باقي الأيام. الملاك الذي يحكم اليوم الرابع من الشهر القمري هو ملاك “مدمر ويعوق البناء والآبار ومناجم الذهب” وهو عزرائيل.

تفنن المسلمون في صفات عزرائيل وطريقة عمله. جاء في كتاب “عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، لزكريا القزويني (ولد سنة 600 هـ)، صفة عزرائيل كما يلي:

“عزرائيل صلوات الله عليه لونه أبيض يضرب إلى السمرة شيئاً يسيراً، وملبوسه وردي مخطط بأحمر، وفوق هذا الملبوس نمتانة خضراء تميل للدكونة شيئاً يسيراً، وشد وسطه أحمر. وعمامته كما للمَلَك الذي يقوم صفاً (على رأسه عمامة عظيمة بيضاء مرصعة بالذهب، وبوسط العمامة من أعلى كتابة بالسواد ليس يعرفها إلا الذي صورها) لكن أصفر شيئاً يسيراً. سرواله أزرق، وأجنحته جناحان على ما رأينا في الكتاب وألوانها أحمر وأصفر وأزرق وأبيض. وله قصيبتان شعر أسود، اليمنى نازلة على كتفه الأيمن وخارجة من خارج جناحه إلى طرفه بإعوجاج، والأخرى على الأيسر من داخل جناحه تقصر شيئاً يسيراً عنه. وبيده رمح برأسه خمسة أسنة، وهو جالس به كجلوس القواس الذي يرمي النشاب”.

 

أما طريقة عمله فقد ذكرها إبن كثير في كتابه “البداية والنهاية”، والنقل مختصراً:

“له أعوان يستخرجون روح العبد من جثته حتى تبلغ الحلقوم، فيتناولها ملك الموت بيده، فإذا أخذها لم يدعوها [أي أعوانه] في يده طرفة عين حتى يأخذوها منه فيلقوها في أكفان تليق بها ثم يصعدون بها، فإن كانت صالحة فتحت لها أبواب السماء، وإلا غلقت دونها، وألقيَ بها إلى الأرض. وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد، أنهم قالوا: إن الأرض بين يدي مَلَك الموت، مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء”.

 

 

المصادر:

1- Angels A to Z, J. Lewis & E. Oliver, Visible Ink Press, 1996

2- مفهوم الإلوهة في الذهن العربي القديم، جورجي كعنان، بيسان للنشر، الطبعة الثانية، بيروت 1997

3- عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، زكريا القزويني، دار الآفاق الجديدة، الطبعة الثالثة 1978

4- البداية والنهاية، إبن كثير الدمشقي.

Comments:

4 Responses


  1. الاخ فرناس

    انا بدات الانترنت كمتابع للمدونات الكويتية وفي الحقيقة وبدون مجاملة مدونتك من اكثر المدونات الكويتية ثقافة وعمق. صدقني عندما اقول لك باني عندما اقرا مدونتك اشعر بشعور المثقف والمفكر والفخر ايضا. الفخر لانك كويتي ومدونتك كويتية. أنت في المقدمة وآمل أن تبقى كذلك بل انا متاكد بانك سوف تبقى كذلك. واشعر بالفخر ايضا لانك صديقي الانترنتي فرناس

    تحياتي
    بو فهد


  2. تتشرف شبكة الحوار الليبرالي, باستضافة النائب علي الراشد , ليتواصل مع الأعضاء ويجيب على تساؤلاتكم واستفساراتكم حول قانون الأحزاب الذي تقدم به النائب

    نستقبل أسئلتكم على مدى اسبوع كامل ابتداءا من اليوم الأحد
    وحتى تاريخ 1 – 10 – 2007
    علما بأن يمكنكم الأطلاع على قانون الأحزاب الجديد بنسخته النهائية في
    الشبكة

    للأشتراك

    http://www.secularkuwait.net

    - في حالة استخدامك لفاست تيلكو ستجد بأن الموقع محجوب حيث يمكنك الدخول الى الشبكة عن طريق رابط الشبكة الموجود في موقع التحالف الوطني الديمقراطي :

    http://www.altahalof.org


  3. الزميل الفاضل بوفهد

    لقد غمرتني بكلماتك الكريمة. أسعدني جداً رأيك في هذا الجهد المتواضع في المدونة ويشرفني أنك إتخذتني صديقاً

    لك تحياتي يا زميلي الكريم
    فرناس


  4. أتقدم بالشكر لشبكة الحوار الليبرالي على الدعوة الكريمة

    فرناس

Leave a Reply

Subscribe to RSS Feed Rss